عبد الملك الجويني

84

الشامل في أصول الدين

فأما الماء فلا ينكر لونه إلا معاند . بيد أنه اختص بلون مخالف لسائر ألوان الأجسام . وفي الناس من قال : إنه على لون البياض ، ويظهر ذلك بأن يقطر الماء من علو إلى سفل ، فيتبين أنه لون البلّور . وهذا كلام في تفصيل اللون وأصله معلوم قطعا . ولو ساغ إنكار لون ، لما ساغ إنكار البياض وما عداه من الألوان . وأما الهواء فمن الناس من قال إنه غير مدرك في وقتنا ، ومنهم من قال إنه مدرك مرئي . فمن نفى كونه مدركا ، سقطت عنه الطلبة في لونه . ومن أثبت كونه مدركا - وهو الصحيح - أثبته ذا لون ، وزعم أنه إذا جنّ الليل ، أظلم الهواء ، وضرب لونه إلى السواد ، وإذا أضاء النهار أضاءت أجزاء الهواء وضربت إلى البياض ، وكل ذلك تكلف . فإن أكثر ما فيه أن يسلم الخصم أنا لم ندرك لون جوهر ، ولا يدل عدم إدراكنا له على انتفائه ، فإنا إنما ندرك ما يخلق لنا إدراكه . وأما ما ذكروه من نفي الطعم عن ضروب من الأجسام ، فساقط ضرورة وبديهة . فإن الحجر لو سحق واستفت سحاقته ، لأدرك طعمها ، وكذلك القول في كل ما ألزموه . ولو سلمنا لهم جدلا ما راموه ، لما كان فيه حجة ، لما قدمنا من أن عدم الإدراك لا يدل على عدم المدرك . فهذه جملة شبههم ووجوه التقصي عنها . واعلموا أنه لا مطمع للمعتزلة في إثبات هذا الذكر ، مع تناقض أقوالهم وتنافرها ، على ما اشتمل الفصل عليه ، فلم يطرد لهم إذا أصل من الأصول المقدمة ، أعاذنا اللّه من المناقضات في أصول الديانات . القول في الأصل الرابع وهو يشتمل على إثبات استحالة حوادث لا أول لها والذي يحقق ذلك أوجه : أقربها ما ذكره شيخنا رضي اللّه عنه ، وذلك أنه قال : من نفي الأولية على الحوادث ، وزعم أنها لم تزل متعاقبة آحادا ، ثم تقدر الفراغ منها ، وتحقق تصرمها ، فقد جحد الضرورة وبديهة العقل وذلك أن ما لا نهاية له لا عدد يحصره ، ولا مبلغ يضبطه . [ و ] يستحيل بضرورة العقل - قطعا - أن تمضي الآحاد على إثر الآحاد تواليا وتعاقبا ، ثم يفضي ذلك إلى انقضاء ما لا نهاية له . فهذا معلوم بطلانه ، مدرك فساده بديهة . وأقرب الأمور فيه : أن الجمع بين نفي النهاية والمصير إلى التناهي تناقض لا ينكره لبيب . فإذا وضح ذلك قلنا للدهرية : من قضية أصلكم أنه انقضى قبل الدورة التي في وقتنا هذا دورات لا نهاية لها ، فإذا انقضت ، فقد انتهت . وكيف ينتهي ما لا يتناهى واحدا واحدا ، وهذا ما لا يستريب فيه منصف .